التعديل الوزاري في موريتانيا: بين إقالةٍ لم تكتمل، وثقةٍ لم تُستعد، وحكومةٍ لم تتجدد..

اثنين, 19/10/2026 - 19:16

نوافذ(نواكشوط) ــ إن من أعسر ما يواجه التحليل أن يستنطق الوقائع، ويستكشف لها منطقًا داخليًا، ويستخلص من تفرّقها نظامًا علائقيًا، في حين أنها قد تكون وليدة المصادفة، لا ثمرة تخطيط أو قصد سابق.

فمأزق التحليل، في هذه الحالة، أنه يسعى إلى إقامة نسق من العلاقات بين قرارات لم يستحضر صانعوها، لحظة اتخاذها، ما قد يجمع بينها من روابط أو يوحّدها من منطق.

وهكذا، قد ينتهي التحليل إلى تشييد بنية من المعاني والعلائق لم تكن كامنة في القرارات ذاتها بقدر ما كانت ثمرة النظر إليها بأثر رجعي؛ فيغدو الجهد المبذول في تأويل الأحداث والوقائع أكبر من الجهد الذي استدعته القرارات نفسها عند نشأتها، وكأن التحليل لا يكشف عن منطق سابق بقدر ما ينشئ منطقًا لم يكن موجودًا ابتداءً.
توقيت التعديل الحكومي في ظل قرب انتصاف آخر مأمورية يتيحها الدستور للرئيس محمد ولد الغزواني، يسمح بتصور مأزق للتحليل لا يقل عن ما تقدم؛ فقد يكون غرض القائم على الأحداث في تقديم الوقائع على نحو معين أن يدفع مستقرِئَها لتقديم تفسير بعينه، ما يجعل التحليلات المقدمة مجرد تنفيذ لتلك الإرادة، فتكون النتيجة، دون قصد، المساهمة فى صرف اهتمام الناس نحو مواضيع غير تلك التي تشغل ذهن السلطة وتسعى للوصول بشأنها لنتائج نهائية يحمل الناس على تبنيها لاحقا.
ولعل من البدهي أنه ليس كل تغييرٍ في الحكومات تغييرًا في السياسات، ولا كل مغادرةٍ تعني الإقالة، ولا كل عودةٍ تعني تجديد الثقة، فقد تتبدل الأسماء وتبقى المعادلات على حالها، وقد يُفتح باب التعديل ليُغلق قبل أن يبلغ غايته، فتكون النتيجة حركةً واسعة في المشهد، محدودةً في بنية السلطة، مثقلةً بالأسئلة التي كان يُفترض أن تجيب عنها.
ولعل هذا هو المدخل الأنسب لقراءة التعديل الحكومي الأخير في موريتانيا: ليس من زاوية مَن غادر ومَن بقي فحسب، بل من زاوية السؤال الذي سبق التعديل وظل معلقًا بعده: هل كان ما حدث إقالةً تراجعت السلطة عن استكمالها، أم استقالةً أُعيد ترتيب آثارها، أم إعادة تكليفٍ كشفت حدود الثقة أكثر مما أكدت تجددها؟
إن أهمية السؤال لا تنبع من اختلاف الألفاظ، وإنما من اختلاف الدلالات؛ فبين الاستقالة والإقالة مسافةٌ تتعلق بمصدر القرار، وبين سحب التكليف وإعادته مسافةٌ تتعلق بمعنى المسؤولية، وبين تغيير الأشخاص وتجديد النهج مسافةٌ تتعلق بقدرة النظام على تحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح.
فما الذي حدث في موريتانيا: إقالة أم استقالة؟ وهل كانت استقالةً بالمعنى السياسي، أم إقالةً اتخذت صيغة الاستقالة، ثم انتهت إلى إعادة تكليف الوزير الأول نفسه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما العامل الذي طرأ بين الاستقالة وقبولها، وبين قبولها وإعادة التكليف، فغيّر مسارًا توقع البعض، وتمنى كثر، أن ينتهي إلى تعيين وزير أول جديد وتشكيل حكومة مختلفة؟
إن السؤال الأول ليس: مَن غادر الحكومة؟ وإنما: هل غادر الوزير الأول بإرادته، أم أُخرج من موقعه، ثم أعيد إليه بعد أن طرأ ما استدعى العدول عن القرار الأول؟
أولًا: هل بني الفعل للمجهول أم المعلوم!
ثقة رئيس الجمهورية تُوجِد الحكومة، والأخيرة تستمد وجودها التنفيذي من تكليف رئيس الجمهورية، لكن فوق تلك الثقة تحتاج الحكومة لثقة البرلمان للاستهلال صارخة، ولتستمر في الوجود على النحو الوارد في السياقات والإجراءات التي حددها الدستور.
 تستطيع الحكومة من خلال طرح مسألة الثقة تجديد سندها البرلماني، لكن مع رئيس الجمهورية، الاستمرار نفسه هو الدليل على تلك الثقة.
عندما يتعلق الأمر بقرار متخذ من إحدى جهتي منح الثقة لأي سبب؛ فالأمر يتعلق بالإقالة أو سحب الثقة.
أما بناء الفعل للمعلوم، فالمفترض أن أمره سهل الملاحظة لو أن الرسالة بتقديم الاستقالة تمت إذاعتها على العامة، وبما تقدم من تعليل لطلب القبول.
 يكون البناء للمعلوم حينما تقع أحداث تكشف فشلًا يمس الصورة والشرعية السياسية للحكومة، فتجد نفسها مضطرة إلى المبادرة بالاستقالة، بدل انتظار قرار الإقالة.
حالة ثالثة تجمع البناءين؛ حين تتوافر دوافع الاستقالة وإرادة الإقالة، مع رغبة رئيس الجمهورية في ظهور القرار كما لو أنه مبادرة ذاتية من الحكومة.
هذه الحالة الأخيرة تبدو الأقرب إلى ما حدث في موريتانيا، خصوصًا إذا نظرنا إلى التزامن بين استقالة الحكومة وغرق نواكشوط العاصمة فى الظلام الدامس والمياه الآسنة وما صاحبه من أقوال متناقضة وتفسيرات متباينة؛ "تصريحات الوزير الأول التي ينفي فيها العلاقة بين حكومته وما حدث من حرائق، واستبعاد أي دور للمحولات في إحداث هذه الحرائق لكونها لم تركب بعد، وهي أمور كذبها تقرير لجنة التحقيق ورتب عليها ما رتب،  من كشف أوجه الخلل في المنظومة،  وإثارة مسائل تتعلق بالمسؤوليات الإدارية والفنية والحكومية، التي تتعدى الفاعلين المباشرين إلى المسؤوليات في الرقابة والمتابعة وحسن التسيير والتدبير. 
غير أن التزامن وحده لا يكفي لإثبات أن تلك الأزمة كانت السبب الوحيد في الاستقالة، فحتى ولو دفع توقيتها المقترن بلحظة كانت فيها الأزمة حاضرةً بقوة في النقاش العام، وصدور تقرير لجنة التحقيق، إلى القول بوجود ربط بينهما، فإن إعادة تكليف الوزير الأول نفسه في ظل اعتماد نتائج التحقيق تعنى محدودية حضور الأزمة في قرار التعديل الحكومي.
فإذا كان السبب الموجب للمغادرة هو الفشل الذي كشفته الأزمة، فإن العودة إلى نقطة البداية تحتاج إلى تفسير: هل زال السبب؟ أم تغير تقدير المسؤولية؟ أم أن مقتضيات أخرى غلبت الاعتبارات التي أفضت إلى الاستقالة؟
ثانيًا: هل كانت إقالةً تراجعت السلطة عن استكمالها؟
إن من الشواهد التي يستند إليها أصحاب فرضية الإقالة:
-ما أُشيع عن قرب استقالة الوزير الأول؛
-واستدعاؤه كبار معاونيه لتوديعهم؛
- التراخي بين تقديم الاستقالة، وإعادة التكليف؛
- مغادرة وزراء مؤثرين تفترض عضويتهم في جماعة العصف الفكري المعنية برسم السياسة العامة مع رئيس الجمهورية؛ فسرت مغادرتهم برفضهم الخروج على نتائج ما تقرر بالاتفاق من تغيير حكومي يبدأ بالوزير الأول؛
-عدم الحاجة في مجرد تعديل محدود لوجود حكومة جديدة.  
الشق الثاني فى الفرضية السابقة يقوم على ما قدم من تأويلات برر بها الرجوع في قرار الإقالة من قبيل:
- تفسيرات تقوم على اعتبارات لا دولاتية، لا مجال للتأكد من وجودها ومن غير المناسب التحدث عنها أصلا؛
- مراجعات متعلقة بحسابات الاستقرار واستمرارية العمل الحكومي، أو بعدم توافر بديل جاهز، أو بالخوف من تعثر مشاريع قائمة، أو بطبيعة التفاعل الشعبي مع قرار المغادرة، وقد تكون المسألة مزيجًا من هذه العوامل، لا سببًا واحدًا يمكن عزله عن بقية الاعتبارات.
لكن ثمة احتمالًا يستحق التوقف عنده، هو أن رد الفعل الشعبي على أنباء الإقالة تجاوز ما كان متوقعًا، وأن التفاعل الذي أبدته أوساط من المواطنين من فصالة في الحوض إلى كرمسين على ضفاف النهر، ومن بئر أم اكرين إلى كيهيدي، وما تبادله هؤلاء من تهانٍ وتبريكات بمناسبة المغادرة، جعل قبولها نهائيًا قرارًا ذا كلفة سياسية مختلفة عما كان مقدرًا في البداية.
فحين يتعامل قطاع واسع من الرأي العام مع مغادرة مسؤول باعتبارها انتصارًا لمطلب شعبي، تتحول المغادرة من مجرد قرار إداري بإعلان فشل موظف في مهمة بعينها إلى حكم بقتل غير رحيم في حق شخصية لما تصنف بعد في خانة أعداء النظام، وهو ما قد يكون أثر على قرار الرئيس بإعادة التكليف في انتظار ظرف مناسب لإحسان "القتلة".
وعندئذ قد يصبح العدول عن الإقالة أو إعادة المسؤول نفسه إلى موقعه، موضع تأويل يتجاوز ما قد يكون للقرار من مبررات مؤسسية.
إذا، الخشية من ردة الفعل غير المحسوبة من رجل خبر منظومة الدولة ويعتبر صندوقا أسود للعشرية والسبعية، وهو إن بدا وديعا في ما تقدم، إلا أن استثارته على هذا النحو غير محسومة العواقب.
الاستغناء، من دون ترتيبات مسبقة، عن وزير أول متنفذ ومطلع على كل المعلومات المتعلقة بتسيير دواليب الدولة مخاطرة تم التغلب عليها بإعادة التكليف.
ومن هنا، فإن أقرب وصف تحليلي لما حدث، هو أنه إعادة تكليف، لا إعادة ثقة فت فيها الفشل الحكومي في الوصول لطموحات رئيس الجمهورية للوطن، وكشفت ردة الفعل الشعبية على الاستقالة استحالة أي أمل في وجودها.
-الدليل الآخر على تحقق المانع القسري عن عدم التكليف ، هو عزوف النظام ،رغم شدة الحاجة، عن استغلال حجم التفاعل مع الإقالة لتجاوز حالة عدم الرضى وعن أزمات الغلاء والوفرة فى البضائع و المحروقات ، والحرائق...وخلق أمل في مرحلة ما بعد الزوال من مأمورية تجاوزت المنتصف.
ثالثا: هل أُهدرت فرصة سياسية كان يمكن استثمارها؟
إن التفاعل الشعبي مع أنباء الإقالة، على اتساعه أو محدوديته، كان يمكن أن يمثل فرصةً لإعادة فتح العلاقة بين السلطة والرأي العام، فقد كان في وسع التغيير، لو اقترن بمراجعة واضحة للأداء، أن يخلق انطباعًا بأن السلطة تستجيب للاستياء، وأنها مستعدة لتصحيح المسار بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة.
وهذه فرصة تزداد أهميتها في مرحلة تتجاوز فيها المأمورية منتصفها، وتتعاظم فيها الحاجة إلى تجديد الأمل، وإلى تقديم نتائج ملموسة في الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
 إذا ، انتهى الأمر إلى إعادة التكليف، ثم إلى تعديل محدود لا تتضح معاييره، وتبدد  الزخم الذي رافق الاستقالة ،ليطرح سؤال وجيه : ما ذا لو كانت مسطرة الإقالة قد وصلت مداها، فمن كان سيكون المنقذ؟ وأي حكومة كانت ستتشكل؟
لو انتهى المسار إلى تعيين وزير أول جديد، لكان السؤال التالي: من الشخصية التي كان يمكن أن تتولى المهمة؟ وما طبيعة الحكومة التي كانت ستُشكل؟
هل كان الرئيس سيلجأ إلى حكومة تكنوقراط، تُقدم الكفاءة الفنية والإدارية باعتبارها المدخل إلى معالجة الأزمات وتحسين الأداء؟ أم إلى حكومة سياسية، تعكس رؤيةً جديدة للمرحلة المقبلة وتعيد توزيع الأدوار داخل مراكز النفوذ؟ أم إلى صيغة تجمع بين الخيارين، فتمنح الأولوية للكفاءة في القطاعات الخدمية، مع مراعاة التوازنات السياسية في بقية التشكيلة؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها على سبيل الجزم، لكنها تكشف ما كان يمكن أن يمثله تغيير الوزير الأول من فرصة لإعادة تعريف وظيفة الحكومة، فالحكومة التي تأتي بعد أزمة لا يكفي أن تكون مختلفةً في أسمائها؛ بل ينبغي أن تكون واضحةً في مهمتها، وأن تعلن ما الذي ستغيره، وكيف ستقيس نجاحها، وما الذي ستفعله إذا أخفقت.
ولو كان الهدف هو تصحيح مسار كشفته أزمة صوملك، لكان من المنتظر أن تظهر في التشكيلة الجديدة معايير مرتبطة بالمساءلة والكفاءة، وأن تتضح العلاقة بين تقرير لجنة التحقيق والقرارات الحكومية التي أعقبته.
أما لو كان الهدف هو الاستعداد لمرحلة سياسية مقبلة، لكان التغيير محتاجًا إلى قراءة أوسع للتوازنات التي تحكم المشهد، من دون اختزال السياسة في أسماء الأفراد أو في حسابات مغادرتهم وعودتهم.
وما حدث، في النهاية، لم يحسم هذه الأسئلة، بل أبقاها معلقةً؛ لأن إعادة تكليف الوزير الأول أبقت رأس الحكومة على حاله، فيما اقتصر التغيير على جزء من الفريق.

رابعا: ماذا تغير في الحكومة الجديدة؟ وهل هي جديدة فعلًا؟
سيكون ذلك موضوع التحليل الذي نقدمه في حلقة تالية ــ انتظرونا.