ولد عبد اللطيف ينبش ذاكرة «إعدادية كبولاني».. ويستعيد نوادر الطلاب وحكايات قادة المستقبل

سبت, 22/08/2026 - 12:06

صدر حديثًا للأديب والإداري الموريتاني محمد فال بن عبد اللطيف كتابه الجديد «إعدادية كبولاني»، مستعيدًا عبر صفحاته محطةً وازنة من مساره الدراسي في ستينيات القرن الماضي، ومضيئًا في الآن ذاته جوانب من تاريخ الإدارة والمجتمع والثقافة في موريتانيا خلال مرحلة مبكرة من عمر الدولة الوطنية.
وفي هذا الإصدار، الذي يقع في 85 صفحة، لا تبدو المدرسة مجرد فضاء للتلقي والتحصيل، بل مسرحًا صغيرًا تتقاطع فوق خشبته تحولات المجتمع، وتطلعات جيل جديد، وأسئلة الهوية واللغة، وتداعيات بناء الدولة الحديثة.
يوثق الكتاب تفاصيل من الحياة المدرسية والحراك الطلابي في تلك الحقبة، متوقفًا عند السجالات والأحداث التي رافقت القرارات الرسمية الصادرة سنة 1966 بشأن تعزيز حضور اللغة العربية في المناهج التعليمية. كما يستعيد الكاتب، بروح الشاهد وذاكرة المشارك، عددًا من المواقف الميدانية والإضرابات، مستعينًا بنصوص شعرية ونوادر تكشف شيئًا من المزاج الطلابي وروح المرحلة.
ويتتبع الكتاب كذلك آثار شخصيات وقادة مروا بهذه المؤسسة التعليمية، من بينهم الرؤساء المصطفى بن محمد السالك، وأحمد بن بوسيف، ومحمد خونه بن هيداله، ومعاوية بن سيد أحمد بن الطايع، بما يجعل من سيرة الإعدادية نافذةً تطل على سير رجال كان لبعضهم لاحقًا حضور بارز في تاريخ البلاد.
ويمنح الكاتب نصه نكهةً أدبية خاصة، تجمع بين دقة الملاحظة ورشاقة السرد وخفة الظل؛ فيمزج الوقائع بالنوادر، ويستحضر شواهد لغوية وتفاصيل من الحياة اليومية للطلاب والمراقبين، فيبدو الماضي قريبًا، نابضًا بأصواته وشخصياته ومفارقات أيامه.
ولا يقف الكتاب عند حدود الذاكرة المدرسية، إذ يتسع ليبحث في أصول بعض التسميات الجغرافية وتحولاتها التاريخية، خصوصًا في المرحلة التي أعقبت استقلال البلاد، في محاولة لقراءة المكان من خلال اسمه، والاسم من خلال ما اختزنته الذاكرة الوطنية من تحولات.
ويأتي «إعدادية كبولاني» امتدادًا لمشروع أدبي يوائم بين التجربة الإدارية والذاكرة الشخصية وتوثيق جوانب من التاريخ الموريتاني، بعد إصدارات سابقة للكاتب، من بينها «حاكم مقامة»، و*«الوالي المساعد»، و«عشر سنين في وزارة الداخلية»، و«الذكر المذكور في أخبار الأكور»*.
وهكذا تبدو «إعدادية كبولاني» أكثر من مجرد استعادة لسنوات الدراسة؛ إنها محاولة لاسترداد زمنٍ كامل من بين دفاتر الذاكرة، حين كانت المدرسة مرآةً لمجتمع يتشكل، ولبلدٍ كان يخطو خطواته الأولى نحو ملامحه الجديدة.