عبد الرحمن ...كفيف عصامي يخوض الباكلوريا للمرة الثانية بإصرار لا ينكسر/ فيديو عن قصته

سبت, 04/07/2026 - 12:49

في حي منسي على هامش خريطة نواكشوط، كان طفلٌ يلتقط العالم بأصابعه، ويحفظ ملامحه بصوت الريح وخشونة التراب. لم تكن عيناه تفتحان نافذةً على الضوء، لكن قلبه كان يفعل ذلك كل صباح.
اسمه عبد الرحمن؛ كفيفٌ، لكنه لم يقبل يومًا أن يكون العجز عنوانًا لحياته. بدأ رحلته مبكرًا في المحظرة، حيث كان يحفظ المتون ويطارد المعرفة كما يطارد العطشانُ المطر، ثم انتقل إلى التعليم النظامي، درجةً بعد أخرى، حتى وقف على عتبة الباكلوريا.
اليوم، يعود إليها للمرة الثانية. لا يعود مهزومًا، بل يعود كما يعود الفجر بعد كل ليل، بإصرارٍ لا يعرف الانكسار. يؤمن أن السقوط ليس نهاية الطريق، بل علامةٌ على أن الطريق يستحق أن يُمشى مرةً أخرى.
عبد الرحمن لا تعجبه إلا نفسه. ليس غرورًا بقدر ما هو قناعةٌ بأن الإنسان إذا لم يؤمن بقدرته، فلن يفعل ذلك أحد نيابةً عنه. لذلك ظل يراهن على ذاته، حتى حين كانت الظروف تراهن على تعبه.
وفي الصف الأول من جمهوره، تقف أمه، هي التصفيقة الأولى، والدعاء الأخير، واليد التي لم تتركه حين تركه كثيرون. كانت تؤمن به قبل أن يؤمن بنفسه، وما زالت ترى في نجاحه حلمًا يخصها بقدر ما يخصه.
شارك عبد الرحمن مرةً واحدة في الانتخابات الرئاسية، ومنح صوته للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، على أمل أن يحمل الغد تغييرًا يلامس حياة البسطاء وذوي الإعاقة. لكنه يقول إن كثيرًا من الآمال التي عُلّقت على ذلك الاختيار لم تتحقق كما كان يتمنى.
أما الحب، فيبتسم له كما يبتسم المسافر لمحطةٍ لم يصلها بعد، يقول إن ساعته لم تحن، وإن الزواج من كفيفة لا يجذبه، بينما يقف المجتمع حاجزًا صامتًا بينه وبين فكرة الارتباط بامرأة مبصرة، وكأن الإعاقة لا تزال تُقاس بنظرة الآخرين أكثر مما تُقاس بإرادة أصحابها.
ومع ذلك، لا يطيل الوقوف عند الأسئلة المؤجلة، عيناه لا تبصران الطريق، لكن حلمه يراه واضحًا؛ أن يعبر الجامعة، وأن يحمل شهادةً تفتح له أبواب المستقبل، وأن يصبح مترجمًا ينقل المعاني بين اللغات، كما نقل هو نفسه حياته من العتمة إلى الأمل.
وربما، حين تُعلن نتائج الباكلوريا، لن يكون الخبر مجرد نجاح طالبٍ في امتحان، بل انتصار رجلٍ قرر أن يثبت أن الضوء ليس دائمًا ما تراه العيون، بل ما تصنعه الإرادة في قلب الإنسان.