نوافذ(نواكشوط) ــ في رده على سؤال لموقع "نوافذ" عن أبرز معالم التطور المسجلة في القطاع الزراعي خلال الفترة الأخيرة، وخلال أول ظهور له من على منصة المؤتمر الحكومي منذ تعيينه، بدا وزير الزراعة والسيادة الغذائية السيد محمدو أحمدو أمحيميد وكأنه يختار منذ اللحظة الأولى موقعه داخل المشهد؛ فلم يجعل من المناسبة نافذة للتعريف بنفسه، ولا مناسبة لاستعراض تجربته الشخصية، ــ رغم أن ذلك كان متاحا له وهو يقدم مشروعا من أكبر المشاريع في قطاعه ــ ، لكن الوزير اختار بدلا من كل ذلك أن يجعل خرجته فرصة للحديث عن مشروع أكبر من الأشخاص وأبقى من المناصب.
كان حضور الوزير هادئًا، لكن رسالته واضحة: المنجز الزراعي الذي تشهده البلاد هو ثمرة رؤية سياسية متكاملة يقودها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، فيما تبقى الحكومات وأعضاؤها أدوات تنفيذ وأمناء على تجسيد تلك الرؤية.
ولعل أكثر ما لفت الانتباه في حديث الوزير أنه لم يلجأ للخطابة ولم يعول كثيرا على نبرات الصوت، بقدر ما استند إلى بلاغة الأرقام، تلك اللغة التي لا تحتاج إلى كثير شرح، حيث استعرض المؤشرات الزراعية المسجلة منذ عام 2019 والتي تعكس تطورا ملحوظا في أداء القطاع، مسجلا ارتفاع حجم الإنتاج الزراعي من 409 آلاف طن إلى 985 ألف طن خلال الموسم الزراعي 2025-2026، بزيادة بلغت 140%، فيما ارتفع إنتاج الحبوب، بما في ذلك الأرز والمحاصيل التقليدية، من 339 ألف طن عام 2019 إلى أكثر من 700 ألف طن خلال الموسم الزراعي 2025-2026، بنسبة نمو بلغت 106%، كما شهد إنتاج الأرز تطورا لافتا، إذ انتقل من 255 ألف طن إلى 556 ألف طن خلال الفترة نفسها، محققا زيادة قدرها 118%، وشهد إنتاج الخضروات قفزة نوعية استجابة لنداء رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إذ ارتفع من 46 ألف طن سنة 2019 إلى 255 ألف طن خلال الموسم 2025-2026، بنسبة زيادة بلغت 446%، مما مكّن من رفع نسبة تغطية الاحتياجات الوطنية من الخضروات من 10% سنة 2019 إلى 46% سنة 2025، وتضاعف الدعم الذي يقدمه القطاع للأسمدة خلال الفترة ما بين عامي 2019 و2025، حيث ارتفع من خمسة مليارات أوقية إلى 37 مليار أوقية، وهو ما يعكس حجم التطور الذي شهده قطاع الزراعة في البلاد. كما باشر القطاع العمل على توسيع زراعة القمح ضمن المنظومة الإنتاجية الوطنية عبر مشاريع استصلاح زراعي، من بينها مشروع “سوكام” واستصلاح 1575 هكتارا في البراكنة، بهدف تعزيز إنتاج هذه المادة الأساسية، وشهدت السنوات الأخيرة اهتماما غير مسبوق بالزراعة المطرية ما انعكس على زيادة عدد السدود من 63 إلى 190 سدًا، وارتفاع عدد الآليات الزراعية إلى 243 آلية، الأمر الذي أسهم في تغطية أكثر من 90% من الاحتياجات الوطنية من الحبوب التقليدية.
كلها مؤشرات استعرضها الوزير لترسم صورة قطاع يتحرك بخطى متسارعة نحو تحقيق هدف طالما ظل حلمًا وطنيا: السيادة الغذائية. وفي معرض حديثه، لم يتعامل الوزير مع الإنجازات باعتبارها محطات متفرقة أو جهودًا معزولة، لذلك بدا حريصًا على إبعاد النقاش عن الأشخاص وتعاقب المسؤولين، مركزا على استمرارية السياسة العامة التي أنتجت هذا التحول، فحتى في القضايا التي سبقته إلى القطاع، مثل قرار تعليق استيراد فسائل النخيل، ظهر الوزير مدافعًا عن منطق الدولة لا عن قرار شخص بعينه، موضحًا أن المقصود ليس المنع في حد ذاته، وإنما حماية الواحات الوطنية من الأمراض والآفات إلى حين استكمال منظومة الحجر الزراعي، مؤكدا أن هذا التعليق يأتي لحماية الواحات من الأمراض والآفات، في انتظار إنشاء مركز للحجر الزراعي، واطلاع مختبر الأمراض والتقنيات الحيوية للنخيل في أطار بدوره كاملا غير منقوص في هذا المجال، وهي مقاربة عكست انسجامًا مع الفكرة ذاتها: تغليب المصلحة العامة والرؤية الاستراتيجية على الحسابات الآنية.
وقد أضفت الأريحية التي تعامل بها الوزير مع أسئلة الصحفيين انطباعًا بأن الرجل محيط بملفاته، مدرك لتعقيداتها وتفاصيلها، وأن الفترة القصيرة التي قضاها على رأس القطاع كانت كافية للإحاطة بأرقامه وتحدياته وآفاقه، لذلك جاءت أولى إطلالاته الإعلامية بعيدة عن التشنج، متكئة على لغة الأرقام والمعطيات، ومشحونة بروح الوفاء لمشروع وطني يراهن على أن تكون الزراعة إحدى أبرز قصص النجاح في موريتانيا الجديدة.
في المحصلة، بدت خرجة وزير الزراعة والسيادة الغذائية مناسبة في توقيتها ومضمونها، إذ أتاحت للرأي العام الاطلاع على مشروع يُعد من أهم المشاريع التنموية التي تعول عليها الدولة لإحداث تحول عميق في واقع المناطق الزراعية وتعزيز مسار السيادة الغذائية.
كما شكلت المناسبة فرصة لتقديم حصيلة المنجز بلغة الأرقام والمؤشرات، بما يعكس حجم التقدم الذي شهده القطاع خلال السنوات الأخيرة، والأهم من ذلك أن الوزير اختار أن يقدم هذه الإنجازات ضمن رؤية جامعة ومتسقة، تضعها في سياق المشروع الوطني الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني للنهوض بالقطاع الزراعي وتحويله إلى رافعة أساسية للتنمية.
يمكنكم متابعة ردود الوزير كاملة في الفيديو المرفق

