لبراكنه… أم “الجمهورية الخامسة” لولا أن تفندون !

اثنين, 02/03/2026 - 23:35

نوافذ(نواكشوط) ــ باستثناء الاستحقاق الرئاسي، انتهت آخر التعديلات التي عرفتها السلطات الدستورية الرئيسة في الدولة إلى تكريس حظوة الولاية الخامسة داخل المستويات القيادية لتلك السلطات.

مثل هذا الوضع الجديد خلق داخل الأوساط السياسية والإعلامية موضوعا لنقاشات متصاعدة، لم تخل غالبا من نبرة امتعاض من تلك الأثرة.

وصف المرحلة الحالية داخل الصالونات السياسية وعلى المنابر والمنتديات ب: "الجمهورية الخامسة " لا يأتي، طبعا، من الوصول لدستور خامس للجمهورية يؤسس لنظام سياسي جديد، بل من الضيق ذرعا بهذا الحال.

وفعليا؛ من الناحية الشكلية، الصورة تتحدث بوضوح عن:

بالنسبة للسلطة التشريعية: فى الصورة ودون مواربة، هيمنة صريحة من خلال رئاسة البرلمان.

على مستوى السلطة التنفيذية: شغل ابن للولاية لمنصب الوزير الأول؛ المنصب الذي ما فتئ الدستور وتعديلاته المتتالية، وخاصة تعديل 2012 يعظم من مكانته داخل النظام السياسي الموريتاني والسلطة التنفيذية منه بالأساس.

بخصوص السلطة القضائية: السمة، حضور متعاظم في هرم هذه السلطة؛ بدأ تأمينه منذ العشرية المنقضية، من خلال رئاسة المجلس الدستوري، وليتعزز الوضع لاحقًا مع تعيين ابن للولاية رئيسا إداريا لقضاة القضاء العدلي في موريتانيا بحكم تولى وزارة العدل، فضلا عن ما يمنحه ذلك المنصب على مستوى المجلس الأعلى للقضاء؛ الجهة الدستورية المساعدة لرئيس الجمهورية في ضمان استقلال القضاء، حيث:

 -تعطيه النصوص المنظمة لتلك الهيئة نيابة رئيس الجمهورية رئيسها.

-ويعطيه حكم الواقع من خلال ذلك، مدخلا إضافيا لتوسيع تبعية القضاة لأبعد من النواحي الإدارية.

لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد ترسخت الهيمنة مع وصول ابن من الولاية للأمانة العامة لنادي القضاة، في انتخابات خير فيها الوزير الانتظام التمثيلي للقضاة "النادي" على منطق نزار: "ما بين الموت على صدري أو فوق دفاتر أشعاري " حيث عنى اختيار الأمين العام ابتداع خيار غير نزاري: الحياة في انسجام تام مع العهد البركني. لينتهي صراع معادلة النفوذ بين الوزير و"التنظيم" بترتيبها؛ لا بإلغاء المؤسسة، بل بإعادة إنتاجها بقيادة منسجمة مع المزاج العام للسلطة القضائية الجديدة.

غير أن هذا التمدد الذي أثار انتباه الرأي العام لم يمر دون ارتدادات، فالعين حق كما قال الصادق المصدوق ...ففي الوقت الذي تعاظم فيه حضور لبراكنه على مستوى السلطة القضائية، تلقى تمثيلها في قمة الجهاز التنفيذي ضربات متتالية: آخرها وأبلغها لأنها، من بين أمور أخرى، لم تأت على حين غرة، بل بعد مغالبة، وانكسارا في النهاية،

يتعلق الأمر بتعيين القاضي أحمد ولد عبد الله ولد المصطفى مديرًا عامًا للوكالة القضائية للدولة، وهو القرار الرئاسي الذي لم تشفع مكانة ممثل الولاية في السلطة التنفيذية ولا العراقيل التي وضعت لإجهاضه في ثنيه عن الإنفاذ.

نُسب إلى القاضي المعين مواقف وُصفت بالمتشددة حيال بعض المشمولين في الملف المعروف ب:"ملف العشرية"، من بينهم معالي الوزير الأول، الذي أشيع أن القاضي، وكيل الجمهورية يومها، قد عارض باستماته عدم توجيه الاتهام له، تمهيدا لإخراجه من ملف العشرية، وأنه تحرج كثيرا –وعبر عن ذلك- من منعه من استئناف قرار التحقيق"ألا وجه للمتابعة " في حق المتهم المختار ولد إجاي. وأنه بماله من تأثير، مفترض، على المحكمة الابتدائية لم يسع لديها لمنع قبول استدعائه للشهادة.

 كلها أمور يدرك من له معرفة بطبع وطريقة تعاطي صاحب المعالي مع من يخاصمهم، أنها كفيلة بتصدي الرجل لأدنى من مثل ذلك التعيين، ما جعل بعض يرى في تمرير قرار التعيين تأريخا للعد التنازلي للحد من سطوة الرجل، لا مجرد تمرير إجراء تنظيمي عادي.

في سياق موازٍ، يشكل حضور اسم ولد الكبد الدائم على قائمة وجدول التعيينات خلال المأمورية الثانية وضعا مقلقا رغم كونه لما يتجاوز بعد أكثر من الحضور.

ولد كبد وإن لم يكن من عداد خصوم الوزير الأول، إلا أن طموحه وخلفيته الثقافية والسياسية لا تسمح بتصنيف مقبول منه ومن الوزير الأول للمفترض بينهما من علاقة! ولعل مثل ذلك الوضع قد ساهم مع غيره في خلق حالة سياسية خاصة لشخص ظل حاضرًا في كل تعيين دون أن يستقر في موقع محدد، لتطرح وضعيته مشكلة للدولة باعتباره المعين غير المعين ؛فمنذ الحديث عن لوبي الضغط القطري في البرلمان الأوربي لم يعد له من قرار في بلجيكا، بل وضاقت عليه اوربا بما رحبت، دون أن تكتب له "التلبية" ذات انتداب تم الحديث عنه إلى الحجاز ونجد، وحتى هنالك في إمبراطورية الشمس المشرقة في أقصى الشرق الآسيوي لم يهنأ له المقام ، ومن غير المتصور أن يكون له ذلك في الوجهة الجديدة التي ليست سوى ربوع غريم حليفه الذي دفع ثمن التحالف معه في بلجيكا، ما يعني أن تعيينه  هنالك لن يعمر طويلا لأنه يحمل بذرة رفضه.

العلاقة بين ولد الكبد والوزير الأول يناسبها وضع التعيين مع وقف التنفيذ؛ إما بوظيفة إدارية محلية تستغرق السياسي الطموح ويرفضها أو بنفي للخارج تتراجع تدريجيا فرص العودة منه بأكثر من الإياب.

كما جاء تعيين محفوظ ولد إبراهيم — المصنف ضمن خصوم الوزير الأول — في منصب جديد خارج محيط القصر، ليُقرأ بطريقتين: إبعاد عن أذن الرئيس من جهة، وتنزيل في سلم التأثير من جهة أخرى، غير أن هذا الإبعاد سبقه صعود شخصية أخرى إلى واجهة المشهد العاصمي وثيق الصلة بالرئاسة والبعثات الدبلوماسية ونواكشوط المخملية والأحزاب السياسية والهيئات الأكاديمية والأمنية...، يتعلق الأمر ،ودون تأخير : بالوالي حمود ولد امحمد، الذي بات حاضرًا في تفاصيل المشهد البروتوكولي والإعلامي، بما قلّص الأثر السياسي المتوقع لإبعاد محفوظ.

مستقطب الكاميرات حمود ولد امحمد الذي أصبح يودع الرئيس ويستقبله ويوزع باسمه ويحيي باسمه ويعزي وينظف باسمه...

ولد امحمد نفذ من باب الداخلية المحصن منبت الصلة بالوزارة الأولى. 

رافق ما تقدم تعيين لأحد أبناء مقطع لحجار غير المحسوبين على الوزير الأول؛ هو السيد الحضرامي ولد الشيخ أبو المعالي الذي عين قنصلاً في جدة، في خطوة وُضعت هي الأخرى ضمن سياق إعادة توزيع أوراق النفوذ، بعيدًا عن دائرة الوزير الأول.

واقع الحال توسيع وإعادة انتشار وتموضع لخصوم صاحب المعالي.

هكذا يبدو المشهد أقرب إلى عملية توازن دقيقة: تمدد لولاية لبراكنه على مستوى السلطة القضائية، يقابله تضييق تدريجي على ممثلها الأبرز في قمة السلطة التنفيذية، وكأن النفوذ، حين يبلغ ذروته، يستدعي تلقائيًا رد فعل يعيد رسم حدوده.

ويبقى التعديل الوزاري المرتقب حاسما في هذا المسار، فيما يتعلق بمن تسند له وزارة المالية؛ فتعيين وزير صاحب رؤية وموقف، مؤهل و يسعى لشغل مركز وزير أول ثان بحكم هيمنة المالية وتعالقها مع كل القطاعات، يعني وصول الضربات لسقف الترجيحية.

أما إذا نجح الوزير الأول في إيصال شخص يخرج من عباءته لتلك الوزارة، فسيسعفه ذلك بالحصول على وقت إضافي قل أو كثر.

بين هذا وذاك، تظل لبراكنه عنوانًا لجدل سياسي مفتوح: هل نحن أمام تمركز نفوذ طبيعي في دولة تتقاسمها التوازنات الجهوية؟ أم أمام لحظة فائض قوة تستدعي — بحكم السياسة — إعادة ضبط الإيقاع؟